مجموعة مؤلفين
13
نهج الحياة ( مجموعة بحوث ومقالات حول نهج البلاغه )
بسم اللَّه الرحمن الرّحيم اعتاد الناس من قديم الزمن أن يشكّوا في الأعمال العظيمة ، وكأنّ دافعا من الرواسب النفسية وما ينشأ عنها من حسد ومكابرة يدفعهم دفعا حثيثا إلى هذا البهتان العظيم . فشكّ الكفّار كما شكّ بعض المستشرقين في نسبة القرآن العظيم إلى البارىء سبحانه وزعموه لمحمّد عليه السلام . وانتقلت عدوى هذه التخرصات إلى العصور المتأخّرة ، فشكّ رعيل من المغرضين في نسبة نهج البلاغة إلى الامام عليّ . وكان أوّل من دفع عجلة الشكّ في نهج البلاغة قاضي القضاة شمس الدين أحمد بن خلكان الإربلي البرمكي . وجاء المحدثون ، فاتّجه أكثرهم هذا الاتّجاه المدمّر ، وكان في مقدّمتهم طه حسين . وربّما نأخذ بعض العذر لطه حسين - بالذّات - لأنّ منهج الشكّ في كلّ شيء يمتّ إلى التراث حتى استولى على مشاعره وأصبح جزء لا يتجزّأ من فكره وأسلوبه التهكّمي الساخر ، ولم يكن شكّ في نهج البلاغة آتيا عن غرض معين يتعلّق بموقفه من الامام ، وإنّما جاء حكمه في غمار بحار الشكّ الّتى استولى على عالمه الفكري . ولكنّ مريديه وتلاميذه الذين استولى طه حسين على أفئدتهم وأذاب شخصيتهم في شخصيته إتّجهوا بلا وعى إلى منهج الشكّ الّذي ارتاه في كلّ ما يمتّ إلى التراث بصلة . وكان أحمد أمين أوّل من رفع عقيرته بالشكّ في نهج البلاغة ، وتبعه تلميذه الدكتور شوقي ضيف وأخذ عنه هذا الاتّجاه ولم يقدّر ما لهذا الاتّجاه من مسؤولية ضخمة يضعها تاريخ الأدب على الآخذين بهذا